العيني

221

عمدة القاري

المسمى بالحجر . قوله ( وألزقته ) ، أي : ألصقته بحيث يكون بابه على وجه الأرض غير مرتفع . قوله : ( بابا شرقيا ) ، هو مثل الموجود اليوم ، ففيه ثلاث تصرفات على خلاف ما بنى إبراهيم ، عليه السلام . قوله : ( فذلك الذي حمل ابن الزبير ) أي عبد الله بن الزبير ، رضي الله تعالى عنهما ، على هدمه أي : هدم البيت ، وزاد وهب في روايته : وبنائه . قوله : ( قال يزيد ) ، هو ابن رومان ، أي : قال بالإسناد المذكور . قوله : ( وشهدت ابن الزبير ) إلى قوله : ( كأسنمة الإبل ) ، هكذا ذكره يزيد ابن رومان مختصرا ، وقد رواه مسلم من طريق عطاء بن أبي رباح مطولاً ، فقال : حدثنا هناد بن السري ، قال : حدثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن أبي سليمان ( عن عطاء قال : لما احترق البيت ، زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام فكان من أمره ما كان ، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يخزيهم أو يحزنهم على أهل الشام ، فلما صدر الناس قال : يا أيها الناس ! أشيروا عليَّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها وأصلح ما وَهَى منها ؟ فقال ابن عباس : فأني قد فرق لي رأي فيها ، أرى أن تصلح ما وهَى منها وتدع بيتا أسلم الناس عليه ، وأحجارا أسلم الناس عليها ، وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال ابن الزبير : لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدده ، فكيف بيت ربكم ؟ إني مستخير ربي ثلاثا ، ثم عازم على أمري ، فلما مضت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضه ، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء ، حتى صعده رجل فألقى منه حجارة ، فلما لم يره الناس أصابه تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض ، فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور تى ارتفع بناؤه ، وقال ابن الزبير : سمعت عائشة تقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر ، وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع ، ولجعلت له بابا يدخل منه الناس ، وبابا يخرجون منه . قال : فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس . قال : فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر حتى أبدى أُسّا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء ، وكان ذول الكعبة ثمانية عشر ذراعا ، فلما زاد فيه استقصره ، فزاد في طوله عشرة أذرع ، وجعل له ما بين أحدهما بابين : يدخل منه ، والآخر يخرج منه ، فلما قتل ابن الزبير ، رضي الله تعالى عنه ، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكة ، فكتب إليه عبد الملك إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء ، أما ما زاد من طوله فأقره ، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه ، وسُدَّ الباب الذي فتحه ، فنقضه وأعاده إلى بنائه . قوله : ( وبناه ) أي : بنى البيت . قال ابن سعد : لم يبن ابن الزبير الكعبة حتى حج بالناس سنة أربع وستين ، ثم بناها حين استقبل سنة خمس وستين ، وحكي عن الواقدي أنه رد ذلك ، وقال : الأثبت أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش لسبعين يوما . وقال الأزرقي : كان ذلك في نصف جمادي الآخرة سنة أربع وستين ، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت ، وامتد أمده إلى الموسم ليراه أهل الآفاق ، ليشنع بذلك على بني أمية ، وفي ( تاريخ المسجى ) : كان الفراغ من بناء البيت في سنة خمس وستين ، وزاد المحب الطبري أنه : كان في شهر رجب . قلت : الجيش هو جيش الشام من قبل يزيد بن معاوية ، وكان أميرهم الحصين بن نمير ، وما ارتحلوا من مكة حتى أتاهم موت يزيد بن معاوية ، وذلك بعد أن أفسدوا في حرم الله تعالى وسفكوا الدماء وأوهنوا الكعبة من حجارة المجانيق . قوله : ( وقد رأيت ) ، الرائي يزيد بن رومان . قوله : ( كأسنمة الإبل ) ، الأسنمة : جمع سنام ، وفي ( كتاب مكة ) للفاكهي ، من طريق أبي أويس عن يزيد بن رومان . فكشفوا له ، أي لابن الزبير ، عن قواعد إبراهيم ، عليه السلام ، وهي صخر أمثال الخلف من الإبل ، ورأوه بنيانا مربوطا بعضه ببعض ، وفي رواية عبد الرزاق من طريق ابن سابط عن يزيد : أنهم كشفوا عن القواعد ، فإذا الحجر مثل الخلقة ، والحجارة مشبك بعضها ببعض ، وفي رواية للفاكهي عن عطاء ، قال : كنت في الأبناء الذين جمعوا على حفره ، فحفروا قامة ونصفا ، فهجموا على حجارة لها عروق تتصل بزرد عروق المروة ، فضربوه فارتجت قواعد البيت ، فكبر الناس ، فبنى عليه ، وفي رواية مرثد عند عبد الرزاق : فكشف عن ربض في الحجر آخذ بعضه ببعض ، فتركه مكشوفا ثمانية أيام ليشهدوا عليه ، فرأيت ذلك الربض مثل خلف الإبل ، وجه حجر ووجه حجر ووجه حجران ، ورأيت الرجل يأخذ العثلة فيضرب بها من ناحية الركن فيهتز الركن الآخر . قلت : الخلف ، بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وفي آخره فاء ، قال الجوهري : الخلف المخاض ، وهي